أحمد بن علي الرفاعي الكبير

103

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

فينبغي للعبد أن لا يعتمد على حسن أوقاته ، وكثرة حسناته ، فكم من أحد تراه في زي المريدين ، وهو في علم اللّه من المطرودين ! ولا يشعر أن اللّه - تعالى - ربما يزيّن عدوّه بلباس أوليائه ، ثم يرده آخر الأمر إلى بعده . وربما يكسو وليه لباس الأعداء ، ثم يرده آخر الأمر إلى حقائق كرمه ، لأنه هو يبدىء ويعيد . يعني : يبدىء على أوليائه صفات أعدائه ، وعلى أعدائه صفات أوليائه ، ثم يعيدهم إلى حقائق معلومة ، وهو الفعّال لما يريد ، بإظهار فضله في أهل عدله ، وإظهار عدله في أهل فضله . ألا ترى أن اللّه تعالى زيّن إبليس بزينة عصمته ، وهو في سابق علمه من أهل اللعنة ؟ ستر عليه ما سبق منه إليه ، حتى أظهر أمره في العاقبة . وكذلك زين « بلعام » [ وهو رجل من بني إسرائيل جحد فضل اللّه تعالى ] بأنوار ولايته ، وهو عند اللّه تعالى من أهل سخطه . وأغرق قارون في بحار نعمته ، وهو عند اللّه تعالى من أهل سخطه . لا يغرنك باللّه أربعة أشياء : 1 - إظهاره لك ما لم تعلم . 2 - وستره عليك بما قد عملت . 3 - وزيادته لك فيما لم تشكره . 4 - وإعطاؤه إياك ما لم تسأله . فإنه ربما أراد اللّه تنبيها لك أو استدراجا . وقال يوسف بن الحسين رحمه اللّه تعالى : من رأى صنع الربوبية ، عند إقامة العبودية ، انقطع عن نفسه ، واعتصم بربه ، وفوّض أمره إليه ، فحينئذ يسلم من آفات الاستدراج . وكان يحيى بن معاذ - رحمه اللّه تعالى - يقول : يا معشر المستورين بالنعم والعصم ! لا تغترّوا ، فإن تحتها آفات النّقم . لا تغترّوا بعمارة الأوقات ، فإن تحتها غوامض الآفات . ولا تغترّوا بصفاء العبودية ، فإن فيها نسيان الربوبية .